القصر الخفي : الجزء الثاني

الجزء الثاني: فيزياء الأطياف وصراع الإرادات




​لم تكن القاعة مجرد مكان ذي أربعة جدران، بل بدأت ليلى تدرك أن المكان يتمدد ويتقلص مع كل نفس يزفره آدم الجالس على ذلك العرش الغريب. الأمير قسطنطين، الذي اعتاد أن يشتري كل شيء بسيفه أو بذهبه، وقف مشلولاً أمام ظاهرة فيزيائية لم يقرأ عنها في كتب السحر أو العلم. حاول مجدداً، وبإصرار مجنون، أن يلتقط سبيكة ذهبية كبيرة كانت تبدو صلبة تماماً تحت ضوء الثريات الكريستالية، لكن أصابعه انزلقت من خلالها كما لو كان يحاول الإمساك بالدخان. صرخ الأمير وصوته يتردد بصداه في أرجاء القصر: "أيها الفلاح المحظوظ، ماذا فعلت بهذا المكان؟ هل قمت ببيع روحك للشياطين مقابل هذا السراب؟ أخبرني كيف أحول هذا الطيف إلى ذهب حقيقي ألمسه بيدي، وإلا جعلت هذا القصر مقبرتك!"

​تحرك آدم ببطء، وكأن حركته تتم في وسط سائل أثقل من الهواء. التفت نحو الأمير، ولم تكن نظراته تحمل حقداً أو خوفاً، بل كانت تحمل شفقة عميقة. نطق آدم، وبدت كلماته وكأنها تخرج من أعماق بئر سحيقة: "قسطنطين، أنت تطارد ظلالاً لمستقبل لم يولد بعد. هذا الذهب الذي تراه ليس ذهباً بالمفهوم الذي تعرفه. إنه 'مادة احتمالية'. القصر الذي نقف فيه الآن بُني باستخدام تكنولوجيا كونية قديمة تعتمد على تحويل الرغبات البشرية إلى طاقة ملموسة بصرياً. ما تراه هو انعكاس لفقري الذي عشته، وتجسيد لطمعك الذي تملكه. لكنه في الحقيقة مجرد 'بيانات صلبة' لا تملك كتلة في عالمنا المادي. إن حاولت أخذها للخارج، ستتبخر وتأخذ معها جزءاً من ذرات جسدك لتوازن المعادلة."

​في هذه الأثناء، كانت ليلى تحاول جاهدة اختراق الحاجز الأزرق المتوهج الذي يحيط بآدم. كانت نور الصغيرة تبكي بصمت، وتمسح دموعها بدميتها القماشية، وفجأة لاحظت نور شيئاً لم يلحظه الكبار. كانت هناك خيوط ضوئية دقيقة تخرج من العرش وتتصل بقلب والدها، ثم تمتد لتختفي في سقف القاعة الذي بدأ يتحول إلى شاشة عميقة تظهر فيها النجوم والكواكب. صرخت نور: "أمي، انظري! أبي ليس جالساً على الكرسي، إنه مربوط بالسماء!"

​كلام الصغيرة أيقظ شيئاً في ليلى. أدركت أن آدم ليس ملكاً لهذا الكنز، بل هو "بطارية" تشغل هذا المكان. اقتربت من الحاجز ونادته بأعلى صوتها: "آدم! تذكر الكوخ الصغير، تذكر رائحة الخبز التي كنا نتقاسمها. هذا الذهب ليس كنزاً، إنه قيد! القصر يستهلك ذكرياتك ليصنع هذا البريق. انظر إلى يدك، إنها تبدأ في التلاشي!"

​نظر آدم إلى يده اليمنى، وصعق عندما وجدها أصبحت شفافة تماماً، وبدأ يرى من خلالها تفاصيل العرش الكريستالي. لقد كان القصر يعرض عليه صفقة شيطانية: "البقاء كإله لهذا الكنز مقابل التخلي عن بشريته وعائلته". في تلك اللحظة، تدخل الأمير قسطنطين مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن يصرخ، بل كان يهمس بجشع: "إذا كان الأمر يتطلب حارساً، فأنا مستعد. آدم، أخبرني كيف أنقل هذه الهالة إليّ؟ خذ عائلتك واخرج بفقرك، واترك لي هذا العرش الضوئي. أنا لا أهتم إذا تلاشت ذراتي، المهم أن أموت وأنا محاط بهذا البريق الذي لم يملكه ملك قبلي."

​بدأت القاعة تهتز بعنف، وبدأت معادلات رياضية معقدة تظهر على الجدران، مكتوبة بضوء أحمر ينبض كقلب بشري. كان الأمير يقترب من الحاجز الأزرق، يحاول إيجاد ثغرة ليدفع آدم عن العرش ويأخذ مكانه. الخيال العلمي في هذا المكان كان مرعباً؛ فالقصر لم يكن مهجوراً حقاً، بل كان "كياناً حياً" يبحث عن عقل بشري ليقوم بمعالجة البيانات المعقدة للاحتمالات الزمنية.

​آدم بدأ يستعيد وعيه البشري بفضل صوت ليلى ونور. بدأ يقاوم الجذب المغناطيسي للعرش. "قسطنطين، احذر!" صرخ آدم، "هذا المكان لا يفرق بين الطمع والحب، إنه فقط يمتص الطاقة. إذا لمست العرش الآن، ستحبس في ثانية واحدة تدوم للأبد!" لكن الأمير لم يستمع، ومد يده نحو تاج مرصع بجواهر تلمع بضوء أسود غريب، وما إن لامست أطراف أصابعه التاج، حتى انبعثت صرخة صامتة هزت أركان القصر، وبدأ جسد الأمير ينجذب نحو الحاجز الأزرق كأن ثقباً أسود قد انفتح في وسط القاعة.

​كانت ليلى تمد يدها، ونور تمد يدها، وآدم يصارع القوى الجذبية للكرسي. هل سيتمكن آدم من الانفصال عن العرش قبل أن يتحول جسده بالكامل إلى ضوء؟ وهل سينجح الأمير في سرقة "اللعنة الذهبية" ظناً منه أنها ثروة؟ الغموض زاد حين بدأت جدران القصر تتلاشى لتكشف أنهم ليسوا فوق تل في القرية، بل في مكان ما يسبح بين السحاب والنجوم.