القصر المخفي : الجزء الثالث

الجزء الثالث: فك الشيفرة والعودة إلى الأرض





​في تلك اللحظة الحرجة، كانت القاعة الملكية في القصر المهجور قد تحولت إلى ما يشبه غرفة تحكم كونية عملاقة. الضوء الأحمر النابض من الجدران بدأ يتسارع، مصدراً طنيناً منخفضاً يجعل العظام تهتز. الأمير قسطنطين، الذي غلبه جشعه، كان قد التصقت يده بالتاج الأسود المتوهج، وبدأ جسده يرتجف بعنف بينما كانت خيوط من الضوء الذهبي تلتف حول ذراعيه، ليس كحليّ، بل كأصفاد من طاقة خام. لقد وقع الأمير في الفخ الذي حذره منه آدم؛ لقد اختاره القصر ليكون "المعالج" الجديد لبياناته، ثمنًا لطمعه الذي لا ينتهي.

​صرخ الأمير قسطنطين بصوت بدأ يفقد هويته البشرية: "ما هذا؟ إني أشعر بآلاف السنين تمر في عقلي! إني أرى نهايات العالم وبداياته! آدم.. أنقذني! خذ الذهب، خذ كل شيء، فقط أوقف هذا التدفق المرعب للمعلومات!" لكن آدم، الذي بدأ يستعيد السيطرة على جسده بفضل القوة العاطفية التي استمدها من رؤية ليلى ونور، أدرك أن الوقت قد فات لإنقاذ الأمير. القصر "كيان برمجتي" قديم، وهو لا يقبل التراجع عن الصفقات.

​تضحية الأب وقوة الحب

​التفت آدم نحو ليلى، وكانت يده اليمنى قد اختفت تقريبًا في غشاء الهالة الزرقاء. صاح بها وسط الضجيج الكوني: "ليلى، اسمعيني جيداً! هذا القصر لا يعمل بالوقود، بل يعمل بـ 'الذكريات الحية'. لكي نخرج من هنا، يجب أن نعطي القصر شيئاً أغلى من الذهب، شيئاً يكسر حلقة الاحتمالات التي يحاول حبسنا فيها."

​مدت ليلى يدها عبر الحاجز، وبأعجوبة، بفضل صدق مشاعرها، اخترقت يدها الوميض الأزرق دون أن تتلاشى. أمسكت بيد آدم الشفافة، وشعرت ببرودة الفضاء تسري في عروقها. "ماذا نفعل يا آدم؟ أخبرني!" صرخت والدموع تتطاير من عينيها لتتحول في الهواء إلى حبات من الكريستال الصغير بسبب طبيعة المكان الفيزيائية.

​قال آدم وهو ينظر إلى ابنته نور: "نور، تذكري اللعبة القماشية التي صنعتها لكِ من بقايا ثيابي القديمة. ليلى، تذكري أول رغيف خبز تقاسمناه في كوخنا المظلم. علينا أن نركز جميعاً على تلك اللحظات البسيطة. القصر لا يفهم 'البساطة'، إنها الشيفرة الوحيدة التي لا يستطيع برمجتها أو امتلاكها."

​أغمض الثلاثة أعينهم بقوة. في تلك اللحظة، توقف آدم عن التفكير في الذهب، وفي القصر، وفي الفقر الذي دفعه إلى هنا. بدأ يستحضر رائحة الأرض بعد المطر في قريتهم، وصوت ضحكات نور وهي تجري خلف الفراشات في الحقول القاحلة. ليلى ركزت بكل كيانها على دفء يده في يدها يوم زفافهما البسيط. ونور، ببرائتها المطلقة، تخيلت فقط أنها تمسك بيد والدها ليعود بها إلى سريرها الخشبي المتواضع.

​الانفجار العظيم والتحول الكوني

​وفجأة، حدث انفجار من الضوء الأبيض النقي، لم يكن مؤلماً، بل كان دافئاً كشمس الربيع. انهار العرش الكريستالي، وتلاشى الذهب الزائف الذي كان يملأ القاعة، وتحول الأمير قسطنطين إلى تمثال من الزجاج الثابت، يحدق للأبد في فراغ الاحتمالات التي أراد امتلاكها، ليصبح هو نفسه جزءاً من أسطورة القصر المهجور.

​شعر آدم وعائلته وكأنهم يسقطون عبر سحابة من الحرير. تلاشت الجدران الحجرية، واختفت الرموز الرياضية الحمراء، وتوقف الطنين الكوني. غطوا في نوم عميق وهم يهبطون بسلام نحو الأرض.

​العودة: الذهب الحقيقي

​عندما استيقظ آدم، وجد نفسه مستلقياً على العشب الأخضر عند قاعدة التل الذي يقع عليه القصر. كانت ليلى ونور نائمتين بجانبه بسلام. نظر آدم إلى الأعلى، فلم يجد القصر المهجور! لقد اختفى تماماً، وكأن المكان لم يكن يوماً سوى بوابة تفتح لمن يملك المفتاح وتغلق عندما تنتهي المهمة.

​وضع آدم يده في جيبه، فتوقع أن يجد بقايا ذهب أو جواهر، لكنه وجد شيئاً آخر. وجد "بذرة" صغيرة تتوهج بضوء خافت جداً. لم تكن ذهباً، بل كانت بذرة لنوع من النباتات التي لا تنمو إلا في الأساطير، نبات يمكنه أن يحول الأرض القاحلة إلى جنات خضراء. أدرك آدم أن القصر لم يعطه ثروة ينفقها، بل أعطاه "حياة" ليصنعها بيده.

​عاد آدم إلى قريته، ليس كرجل ثري يوزع الدنانير، بل كأب حكيم يملك سراً غيراً مجرى قريته للأبد. زرع البذرة، وبدأت القرية بفضل جهده وعمله تتحول إلى واحة غناء. لم يعد آدم فقيراً، ولم يعد يطارد الذهب الزائف، فقد تعلم أن القصور الحقيقية تُبنى في القلوب، وأن أعظم خيال علمي هو القدرة على تغيير الواقع بالحب والعمل.

​أما القصر المهجور، فيقول سكان القرية إنه يظهر فقط مرة كل مائة عام، لمن يصل يأسه إلى عنان السماء، ليذكره بأن ما يبحث عنه في النجوم، موجود بالفعل تحت قدميه وفي عيون من يحب.